الرئيسيةالأعضاءالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 محاضرات في القانون الإداري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
نجم الجزائر
المدير العام
المدير العام
avatar

البلد : الجزائر
الجنس ذكر
تاريخ الميلاد تاريخ الميلاد : 12/01/1994
الْمَشِارَكِات الْمَشِارَكِات : 10301
السٌّمعَة السٌّمعَة : 566
الإنتساب الإنتساب : 15/08/2011

مُساهمةموضوع: محاضرات في القانون الإداري   20/2/2014, 2:10 pm

محاضرات في القانون الإداري
وورد في المادة 78 تعداد الأشخاص الخاضعين لتعيين رئيس الجمهورية فإلى جانب رئيس الحكومة والوارد تعيينه وإنهاء مهامه في المادة 77 ذكرت المادة 78 كل من رئيس مجلس الدولة و الأمين العام للحكومة ومحافظ بنك الجزائر وغيرهم.
وخصّت المادة 85 بالذكر الشخصية الثانية في السلطة التنفيذية وهو رئيس الحكومة واعترفت له السلطة التعيين وإنهاء المهام في الوظائف الأخرى الغير مذكورة في المادة77 و 78 من الدستور.
كما تحدثت المادة 87 من الدستور عن التفويض في مجال التعيين ونظمت المادة 88 أحكام الاستقالة. أمّا المواد 91 و 92 و 93 فقد خصصت لسلطة رئيس الجمهورية في مجال الضبط الإداري لحماية الأرواح و الممتلكات.
ومن الطبيعي القول أنّ مجموع هذه القواعد الدستورية تصدر بشأنها، وبالاعتماد عليها نصوص أخرى ذات طابع تشريعي وآخر تنظيمي.
ب- التشريعات العادية: صدر الكثير من التشريعات التي تحكم مجالات كثيرة للقانون الإداري الجزائري.

* ففيما يخص هياكل القضاء الإداري صدر على سبيل المثال:
- القانون العضوي 98 – 01 المؤرخ في 30 ماي 1998 يتعلّق باختصاصات مجلس الدولة وتنظيمه وعمله.
- القانون رقم 98 -02 المؤرخ في 30 ماي 1998 يتعلّق بالمحاكم الإدارية.
وبموجب هذين القانونين تمّ تحديد اختصاص ولاية القضاء الإداري سواء على مستوى البنية الفوقية ممثلة في مجلس الدولة، أو البنية التحتية ممثلة في المحاكم الإدارية.
* وفيما يخص تشريع الموظفين صدر:
- الأمر رقم 06- 03 المؤرخ في 15 جويلية 2006 المتضمن القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية وقبله صدر:
- القانون 82- 06 المؤرخ 27 فبراير 1982 يتعلق بعلاقات العمل الفردية.
- القانون 84- 10 المؤرخ في 11 فبراير 1984 يتعلق بالخدمة المدنية وقوانين أخرى كثيرة.
* وفيما يخص سلطة النزع صدر:
القانون 91- 11 المؤرخ في 27 أفريل 1991 المحدّد لقواعد نزع الملكية للمنفعة العمومية. وقبله صدر الأمر 76 – 48 المؤرخ في 25 ماي 1976 المتضمن قواعد نزع الملكية للمنفعة العامة.

* وفيما يخص الأموال (الأملاك):
صدر القانون رقم 84- 16 المؤرخ في 30 جوان 1984 المتضمن الأملاك الوطنية.
* وفيما يخص إجراءات الدعوى الإدارية:
صدر كمرحلة أولى النص العام في مجال الإجراءات ألا وهو الأمر 66-154 المؤرخ في 8 جوان 1966 يتضمن قانون الإجراءات المدنية المعدل و المتمم. في المرحلة الثانية صدر القانون 08/09 المتضمن قانون الإجراءات المدنية والإدارية.

* أما فيما يتعلق بجانب الصفقات العمومية:
فقد صدرت المنظومة التشريعية في المرحلة الأولى بموجب أمر هو الأمر رقم 67- 90 المؤرخ في 17 جوان 1967. ثمّ توالى تنظيم الصفقات فيما بعد بموجب مراسيم (1982 و 1991 و 2002).
* وفي مجال نظرية التنظيم الإداري صدر:
القانون رقم 90-08 المؤرخ في 07 أفريل 1990 المتضمن قانون البلدية وقبلة صدر:
- الأمر 67- 24 المؤرخ في 13 جانفي 1967 المتضمن القانون البلدي والقانون 90-09 المؤرخ في 07 أفريل 1990 المتضمن قانون الولاية. وقبله - صدر الأمر 69 – 38 المؤرخ في 23 ماي 1969 المتضمن قانون الولاية.

ج- التشريعات التنظيمية: تساهم المراسيم الرئاسية و التنفيذية و المناشير و القرارات الوزارية الفردية و المشتركة و القرارات الصادرة عن رؤساء المجالس الشعبية البلدية ومدراء المؤسسات ذات الطابع الإداري في تنظيم جوانب كثيرة من نشاط الإدارة وإليها يلجأ القاضي الإداري لحسم النزاع المعروض عليه مع مراعاة تدرّجها وموضوعها وعلاقتها بالنزاع نذكر منها:

* نصوص خاصة بتنظيم الإدارة المركزية:
- المرسوم رقم 79 – 121 المؤرخ في 14 جويلية 1979 المتضمن صلاحيات وزير النقل.
- المرسوم رقم 79 – 249 المؤرخ في 01 ديسمبر 1979 المتضمن صلاحيات وزير الشؤون الخارجية.
- ثانيا: العرف.
-
- يقصد بالعرف ما جرى عليه العمل من جانب السلطة الإدارية في مباشرة صلاحياتها الإدارية بشكل متواتر و على نحو يمثل قاعدة ملزمة واجبة الإتباع. ذلك أن إتباع السلطة الإدارية لنمط معين من السلوك بشأن عمل معين بوتيرة واحدة وبشكل منتظم خلال مدة زمنية معينة مع الشعور بالإلزام ينشئ قاعدة قانونية عرفية. وهو ما أكده القضاء الإداري في كثير من المنازعات.
- ومن التعريف أعلاه نستنتج أنّّ للعرف ركن مادي وآخر معنوي.
- أ- الركن المادي:
- ويتمثل في اعتياد الإدارة إتباع سلوك معين بصفة متواترة ومنتظمة خلال مدّة زمنية معينة. فإذا اتبعت الإدارة سلوكا معيّنا فترة من الزمن ثم أعرضت عن إتباعه في فترة أخرى لا نكون بصدد عرف إداري وهذا نتيجة غياب صفة التواتر و الاستمرارية.
- ب- الركن المعنوي:
- ويقصد به أن يجري الاعتقاد لدى الإدارة وهي تتبع سلوكا معينا أنها ملزمة بإتباعه وأنّ الابتعاد عنه يعرضها للمسؤولية ويجعل عملها معيبا من حيث المشروعية. ومن المفيد التذكير أن هذا العرف يشترط لتطبيقه سواء من جانب الإدارة أو القاضي ألا يكون مخالفا لنص تشريعي وهو ما اعتبره البعض ركنا ثالثا يجب توافره في العرف.
- وبجدر التنبيه أنّ الإدارة غير ملزمة بالاستمرار و في جميع الحالات بإتباع سلوك معين و لا يجوز لها العدول عنه, بل تستطيع أن تغير أسلوبها ونمط سلوكها كلما دعت الحاجة إلى ذلك، ولا يعد عملها هذا مخالفا للعرف. لذلك قلنا سابقا أنّ هذا القانون يتسم بالمرونة و التطور. وسلطة التعديل هذه اعترف بها القضاء الإداري وهو ما أكدته المحكمة الإدارية العليا بمصر بقولها:
- "...والعرف الإداري اصطلح على إطلاقه على الأوضاع التي درجت الجهات الإدارية على إتباعها أو مزاولتها نشاطا معينا وينشأ من استمرار الإدارة التزامها لهذه الأوضاع و السير على نشأتها في مباشرة هذا النشاط أن تصبح بمثابة القاعدة القانونية الواجب الإتباع ما لم تعدل بقاعدة أخرى مماثلة...".
- ورغم حكم كثير من رجال الفقه على أنّ العرف في المجال الإداري يمارس دورا ثانويا ولا يلعب دورا بارزا في الكشف عن قواعد القانون الإداري على غرار الدور الذي يلعبه في مجال القانون المدني و التجاري مثلا، وهو الرأي الذي نميل إليه خاصة وأننا لم نجد بحسب بحث معمق أجريناه من خلال أحكام القضاء الإداري الجزائري أن هذا الأخير طبق قاعدة عرفية على نزاع معين.
-
- أنواع العرف الإداري:
- ينقسم العرف إلى عرف مفسر وآخر مكمل، وبعض الدراسات تحدثت عن العرف المعدل نوضح ذلك فيما يلي:
-
- 1-العرف المفسر:
- يفترض هنا في هذه الحالة وجود نص قانوني أو تنظيمي غامض يحتوي مثلا على مصطلحات تحمل أكثر من تفسير. فيأتي العرف المفسر فيزيل هذا الغموض دون أن يضيف حكما جديدا للقاعدة الغامضة أو يحذف منها حكما قائما وموجودا. غاية ما في الأمر أنّه اقتصر على تفسير ما غمض من النص وهذا في حال إتباع الإدارة سلوكا منتظما متواترا مدة زمنية طويلة.
- وينبغي الإشارة أنّ العرف المفسر لا يمكن اعتباره مصدرا للقانون الإداري إلا إذا سكت المشرّع أو المنظم على إصدار نص لاحق يفسر النص القديم. أي عند انعدام التفسير المكتوب نلجأ للقاعدة العرفية المفسرة فنبحث في سلوك الإدارة لترجمة هذا الغموض.
- وإذا كنّا نؤيد تطبيق كل من العرف المكمل و العرف المفسر غير أنّنا لا نؤيد تطبيق ما يسمى بالعرف المعدل بصورتيه الإضافة و الحذف. لأنّ التشريع متى صدر يجب أن يظل ساريا واجب النّفاذ و التطبيق إلى أن يتم تعديله أو إلغاؤه بالطرق و الإجراءات التي حددها القانون. والقول بخلاف ذلك فيه إهدار للتشريع وتلاعب بحجية النصوص.
- فالقول بوجود عرف معدل بالإضافة أو عرف معدل بالحذف يعني أنّ القاعدة العرفية تطاولت في كلا الوضعيتين على تشريع قائم فحملته شيئا لم يرد فيه (في حالة الإضافة) وحذفت منه شيئا موجودا أو قائما (في حالة الحذف).
- ولقد سبق الحديث عن أركان العرف ورأينا أن من شروط القاعدة العرفية أن لا تصطدم مع تشريع. فكيف يمكن تصور وجود قاعدة تشريعية قائمة لم تعدل ولم تلغى، وتأتي القاعدة العرفية فتلغي هذه القاعدة التشريعية بحجة أن الإدارة لم تطبق التشريع خلال مدة زمنية طويلة وعلى سبيل الاستمرارية و التواتر.
-
- 2- العرف المكمل:
- تهدف القاعدة العرفية المكمّلة إلى تنظيم موضوع سكت عنه المشرع أو المنظم. فنحن إذن أمام حالة فراغ بشأن النص الرسمي المكتوب. فتأتي القاعدة العرفية فتكمل هذا النقص. وهنا يبرز دورها كمصدر من مصادر القانون الإدارة بشكل أوضح وبمساهمة أكبر خلافا لدور العرف المفسر الذي اكتفى بتفسير ما غمض من النص المكتوب.
-
- 3- العرف المعدل:
- ورد في الكثير من مراجع القانون الإداري عند الحديث عن مصادر هذا القانون تسمية العرف المعدل، وقسم هذا الأخير إلى نوعين:
-
- أ- العرف المعدل بالإضافة:
- نكون أمام عرف معدل بالإضافة إذا لم يتطرق التشريع لمسألة معينة وجاء دور العرف ليقدم إضافة جزئية للتشريع. فالعرف هنا أضاف قاعدة جديدة لم ترد في النص الرسمي.
-
- ب- العرف المعدل بالحذف:
- ويتمثل في هجر جهة الإدارة لنص تشريعي لمدة طويلة حيث تولد شعور لديها ولدى الأفراد أن هذا النّص المهجور غير ملزم للإدارة و للأفراد.
-
-
- التمييز بين العرف الإداري و العرف المدني:
-
- إذا كان العرف يشكل مصدرا رسميا لكل من القانون الإداري و القانون المدني، إلا أنّ الاختلاف بين العرف الإداري و العرف المدني قائم ويمكن حصره فيما يأتي:
-
- 1- من حيث الجهة المنشئة (سلطة الإنشاء):
- إن ّ الإدارة في القانون الإداري هي التي تنشئ القاعدة العرفية فسلوكها هو محل اعتبار لا سلوك الأفراد. بينما العرف المدني يكونه الأفراد أنفسهم المعنيين بالقاعدة العرفية وهذا من خلال إتباعهم لها مدة زمنية معينة بشكل منتظم و غير متقطع.
-
- 2- من حيث موضوع القاعدة:
- إنّ موضوع القاعدة العرفية في المجال الإداري تتعلق دائما بالمصلحة العامة وبالخدمة العامة، بينما القاعدة العرفية في المجال المدني تتعلق أساسا بالمصلحة الخاصة للأفراد الخاضعين لهذه القاعدة.
- وجدير بنا الإشارة أن تسامح الجهة الإدارية بشأن عدم تطبيق قانون معين لا ينشئ في كل الحالات قاعدة عرفية ولا يمكن التمسك بعدم التطبيق من جانب الأفراد ضد الإدارة. فلو تصورنا مثلا أنّ السلطة التشريعية في الدولة صادقت على قانون يمنع التدخين في الأماكن العمومية وبادر رئيس الجمهورية لإصداره في الجريدة الرسمية، وتّم توزيعها على الجهات المعنية بالتطبيق. فلو حدث أن جهة ما ولتكن وزارة النقل على مستوى المطارات مثلا تساهلت في تطبيق هذا القانون ولم تخضع المخالفين للنص المذكور للجزاءات التي حدّدها القانون ولو مدة طويلة، فلا يمكن الاحتجاج بهذا السلوك مهما طال على أنه يشكل قاعدة عرفية لأن القول بذلك يعني أن العرف أعدم التشريع وأبطل مفعوله وفي هذا طعن في مشروعية القاعدة العرفية.
-
- ثالثا: القضاء.
-
- سبق البيان عند الحديث عن نشأة القانون الإداري أنّ هذا الفرع من القانون عرف نشأته وتطوره على يد القضاء الفرنسي. ومن ثمّ فلا غرابة من أن يكون القضاء مصدرا من مصادر القانون الإداري.
- ويقصد بالقضاء أحد المعنيين:
- الجهاز أي مجموع المحاكم القائمة في دولة معينة . وقد يقصد به مجموع الأحكام و المبادئ التي تقرّها السلطة القضائية. والمفهوم الثاني هو الذي يعنينا في دراستنا.
- وطالما نحن بصدد دراسة القانون الإداري فإنّه يعنينا فقط من هذه الأحكام تلك التي تصدر عن القضاء الإداري باعتبارها أحكاما متميّزة غير مألوفة في مجال روابط القانون الخاص.
- إنّ القضاء الإداري الفرنسي ممثلا في مجلس الدولة حين استبعد القانون الخاص ورفض أن يتخذ منه مرجعا لحسم المنازعات المعروضة عليه، كان عليه أن يقدم بديلا عن ذلك يراه أكثر مسايرة لنشاط الإدارة ولأهدافها. وهذه الأحكام أصبحت في مجموعها شيئا فشيئا تشكل ما يعرف اليوم بالقانون الإداري.
- ورغم صدور تشريعات كثيرة في زمننا اليوم تنظم مختلف الجوانب المتعلقة بالإدارة العامة سواء في التنظيم الإداري و الموظفين العموميين أو بعض سلطات الإدارة أو تنظيم الصفقات وغيرها في ضوء التقنين سابق الإشارة إليه، إلا أنّ ذلك لم يفقد القضاء مكانته بل كان ولا يزال يمارس دورا لا يستهان به في مجال إرساء قواعد القانون الإداري وإليه يرجع الفضل في الكشف عن كثير من القواعد و حسم كثير من الإشكالات.
- ولا يتوقف دور القاضي الإداري عند تطبيق النص الذي بين يديه، بل يقع عليه عبء تفسيره أولا، وهو ما أضفى على سلطة القاضي الإداري مظهرا خاصا ومميزا اعتبارا لتمييز المصطلحات الإدارية وكذلك تشعب القطاعات المعنية بالقضاء الإداري. فقد يجد القاضي الإداري و في الجلسة الواحدة نفسه أمام كم هائل من القطاعات و الإدارات فهذه وزارة التربية وهذا قطاع التعليم العالي و قطاع الفلاحة و المالية و النشاط الاجتماعي و الأشغال العمومية و الصحة والسكان...الخ.ولكل قطاع نصوصه الخاصة من مراسيم بنوعيها وقرارات ومناشير وتعليمات. كما أنّ النزاع الإداري في حد ذاته قد ينصب حول دعوى إلغاء أو دعوى تفسير أو فحص أو تعويض أو دعوى تخص الصفقات أو الوظيفة العامة...الخ وهو ما يفرض جهدا معتبرا يلزم القضاء الإداري بالقيام به. ولقد مكنت ميزة عدم التقنين و محدودية دور العرف القضاء الإداري خاصة في فرنسا من أن يلعب دورا إنشائيا لأحكام ومبادئ القانون الإداري لأنه كثيرا ما يصطدم بحالة عدم وجود نص يحكم النزاع الذي بين يديه، وهذا خلافا للقاضي المدني الذي يلعب دورا تطبيقيا للقانون لأنه في أغلب الحالات يجد النص الذي يحكم النزاع الذي بين يديه بل حتى ولو طبق القاضي الإداري قواعد القانون المدني على النزاع المعروض عليه يظل بذلك ينشئ قاعدة وفي هذا المعنى قال الفقيه(PEQUINOT (: "... إذا تأثّر القاضي الإداري بقاعدة من القانون الخاص وأراد أن يطبقها على النزاع المعروض عليه، فإنّه لا يطبقها نظرا لقوتها القانونية أو كقاعدة من القانون الخاص، إنمّا يطبقها كقاعدة عادلة وملائمة للنزاع. ومع هذا يمكن له تغيير هذه القاعدة بما يلائم نشاط الإدارة أو أن يستبعدها كلية ".
- وتدفعنا محدودية دور التشريع و العرف في مجال إنشاء قواعد القانون الإداري إلى التساؤل:...هل القاضي الإداري في الوضع الغالب حر غير مقيد بأي ضوابط أو قواعد؟
- الحقيقة إذا سلّمنا بأنّ القاضي الإداري يلعب دورا إنشائيا لقواعد القانون الإداري، فانّ ذلك لا يعني و في كل الحالات و بصفة مطلقة أنه يبتدع القاعدة القانونية و ينشئها من عدم. فالقاضي الإداري وهو يفصل في النزاع المعروض عليه ملزم في حالة عدم وجود نص في التشريع وعدم وجود عرف جار به العمل بالتقيد بما أصطلح على تسميته بالمبادئ العامة للقانون.
- المقصود بالمبادئ العامة للقانون:
- يقصد بالمبادئ العامة للقانون مجموعة القواعد القانونية التي ترسخت في وجدان وضمير الأمة القانوني و يتم اكتشافها و استنباطها بواسطة المحاكم و هي تختلف على هذا النحو عن المبادئ العامة المدوّنة في مجموعة تشريعية واحدة كمبادئ القانون المدني أو التجاري لأن مصدر هذه الأخيرة هو التشريع بينما مصدر المبادئ التي نقصدها في المجال الإداري هو القضاء فهي لا تعتمد على نص دستوري أو قانوني صريح، بل إنّ مصدرها هو القضاء و بالذات القضاء الإداري.
-
- الأساس القانوني لهذه المبادئ:

سبقت الإشارة أنّ القضاء في المجال الإداري يلعب دور المنشئ للقاعدة أو القواعد وهو ما يدعو للتساؤل: من أين تستمد مجموع المبادئ العامة التي أقرّها القضاء في المواد الإدارية قوتها القانونية؟
لقد احتدم النقاش في الفقه على أشده بشأن هذا الأمر، ونستطيع ردّه إلى أربعة آراء:

الرأي الأول: أساس المبادئ العامة هي القواعد المكتوبة.

ذهب رأي في فقه القانون الإداري إلى أنّ المبادئ العامة في المجال الإداري التي يرسخها القضاء تستمد قوتها الملزمة من مجموع المبادئ المحددة في المواثيق والدساتير، خاصة وأن هذه الأخيرة حوت الكثير من القواعد التي تهم الإدارة بشكل عام كمبدأ المساواة أمام القضاء ومبدأ المساواة في الالتحاق بالوظائف العامة وحق الدفاع و غير ذلك.

تقدير الرأي الأول:
لقد أصاب المدافعون عن القواعد المكتوبة كأساس للمبادئ العامة في المجال الإداري ولو جزئيا في وجهة نظرهم، غير أنّه لا يمكن الاعتماد عليها كلية والأخذ بها بصفة مطلقة وذلك بسبب أن القواعد المكتوبة و الواردة في المواثيق والدساتير لم يرد فيها عدا و حصرا لكل المبادئ العامة بل أنها حوت البعض منها كمبدأ المساواة في الالتحاق بالوظيفة وحق الدفاع و غيرها ولم يرد فيها ذكر مبادئ أخرى هي على غاية من الأهمية كمبدأ حسن سير المرافق العامة، ومبدأ عدم رجعية القرارات الإدارية ومبدأ تدرج العقوبات و غيرها.

الرأي الثاني: القانون الطبيعي أساس المبادئ العامة.

ذهب جناح في الفقه إلى القول أنّ أساس القوة الملزمة للمبادىء العامة يعود إلى فكرة القانون الطبيعي كفكرة جوهرية في علم القانون تدور حولها مجموع قواعده وأحكامه.
تقدير الرأي الثاني:
آخذ كثير من رجال الفقه على هذه النظرة و التأصيل أنها جاءت في غاية من الإطلاق و العمومية و التجريد، كما أنّ مبادئ القانون الطبيعي قد تخالف القواعد المحددة في القانون الإداري.

الرأي الثالث: العرف أساس المبادئ العامة.
ذهب الفقيه مارسيل فالين أنّ المبادئ العامة للقانون تستمد قوتها الملزمة من العرف. فالقواعد العرفية هي التي تضفي على المبادئ العامة الصفة الملزمة خاصة حينما يتعود القضاة على تطبيق هذه القواعد و يعملون على ترسيخها.

تقدير الرأي الثالث:
إنّ هذا الرأي لا شك يخلط بين العرف كمصدر مستقل للقانون الإداري وبين المبادئ العامة باعتبارها مجموعة أحكام ترسخت في وجدان الجماعة وعمل القضاء الإداري على إظهارها.

الرأي الرابع: القضاء أساس المبادئ العامة.
يكاد فقه القانون الإداري أن يجمع أن المبادئ العامة تستمد قوتها الملزمة من الدور الإنشائي للقاضي الإداري وهذا بحكم الاختلاف الكبير في الدور بين القاضي العادي و القاضي الإداري. فالقاضي العادي عادة ما تكون إرادته مقيدة بالنص فهو ملزم بتطبيقه على الخصومات المعروضة عليه، بينما القاضي الإداري وضعه يختلف تماما فهو من جهة يواجه بمحدودية دور التشريع ودور العرف وهو ما يفرض عليه وضع القاعدة أو لا ثم تطبيقها ثانيا. لذلك رأى غالبية الفقه أن القاضي الإداري على وضعه هذا يكون مفوض من قبل المشرّع لأن يسن قاعدة خاصة تحكم المنازعة التي بين يديه إذا انعدم بشأنها نص أو عرف.
ولقد أفصحت المذكرة الإيضاحية لقانون مجلس الدولة في مصر رقم 63 لسنة 1955 عن الطبيعة الإنشائية للقضاء الإداري بقولها: " يتميّز القضاء الإداري بأنّه ليس بمجرد قضاء تطبيقي كالقضاء المدني، بل هو في الأغلب قضاء إنشائي يبتدع الحلول المناسبة للروابط القانونية التي تنشأ بين الإدارة في تسييرها للمرافق العامة و بين الأفراد ".
ولا يقلّل من دور القضاء الإداري أنه قد يلجأ لقواعد القانون المدني مثلا أو بصفة عامة لمجموع النصوص التي تشكل النسيج القانوني الذي يحكم المجتمع، لأن السلطة التقديرية تظل بيد القاضي الإداري فهو وحده من يقدر مدى صلاحية القاعدة القانونية لتحكم صورة من صور النشاط الإداري.

مساهمة القضاء الإداري الجزائري في إرساء مبادئ القانون الإداري الجزائري:

أ- مساهمة الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا سابقا:
رغم أنّ الجزائر تبنّت و لفترة طويلة نظام وحدة القضاء ولو بتغيير جزئي ميز المنازعات الإدارية، إلا أنّ القضاء الإداري ممثلا في الغرفة الإدارية للمحكمة العليا سابقا لعب دورا بارزا في إرساء وتأسيس أحكام القانون الإداري الجزائري. وأضاف جهدا كبيرا ومميزا لجهد التشريع وهذا في شتى المحاور التي تحكم القانون الإداري سواء في نظرية القرار الإداري أو الصفقات العمومية أو مسؤولية الإدارة عن أعمال موظفيها أو قضاء الوظيفة العامة أو القضاء المتعلق بسلطات الإدارة كسلطة النزع و سلطة الضبط الإداري.
وإذا كان من المتعذر و في مؤلف عام كهذا أن نسوق كل القرارات القضائية الصادرة عن الغرف الإدارية للمحكمة العليا في شتى دوائر ومجالات القانون الإداري، فإنّ مبدأ الإنصاف يفرض التنويه و الإشارة ببعض القرارات التاريخية الصادرة عن هذه الجهة. من ذلك قرارها المتعلّق بأعمال السيادة و قرارات أخرى تتعلق بمسؤولية الإدارة المدنية.

قرار يتعلّق بأعمال السيادة:
رغم عدم النص على أعمال السيادة في المنظومة القانونية الجزائرية سواء في الدستور الجزائري آنذاك (1976) وكذلك في قانون الإجراءات المدنية، فإنّ القضاء الإداري الجزائري ممثلا في الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا أقرّ نظرية أعمال السيادة. ففي قرار لها صدر بتاريخ 07/01/1984 قضية ي.ب ضد وزير المالية ذهبت الغرفة المذكورة إلى القول: " متى ثبت أنّ القرار الحكومي القاضي بسحب الأوراق المالية من فئة 500 دج وكذا القرار الوزاري المحدّد لقواعد الترخيص و التبديل خارج الآجال هما قراران سياسيان يكتسيان طابع أعمال الحكومة. فانّه ليس من اختصاص المجلس الأعلى فحص مدى شرعيتها أو مباشرة رقابة على مدة التطبيق...". ثم أضافت الغرفة قولها: " وحيث أنّ إصدار وتداول وسحب العملة تعدّ إحدى الصلاحيات المتعلّقة بممارسة السيادة. حيث أنّ القرار المستوحي بالتالي من باعث سياسي غير قابل للطعن بأي من طرق الطعن ".
ومن خلال هذا القرار يتبّين لنا بجلاء ووضوح مدى السلطة التأسيسية والإنشائية التي يتمتع بها القضاء الإداري. فرغم عدم النّص على فكرة أعمال السيادة على مستوى التشريع الجزائري، إلا أنّ القضاء الإداري تبنّاها وقدم بصددها إضافة جديدة لمبادئ القانون الإداري الجزائري.

قرارات تتعلق بالمسؤولية المدنية للدولة:
لقد ساهمت الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا في إرساء قواعد المسؤولية المدنية للدولة و هيئاتها المختلفة (الولاية البلدية المؤسسة العمومية ذات الطابع الإداري) من ذلك القرار الصادر بتاريخ 29 أكتوبر 1977 قضية فريق بن سالم ضد المركز الاستشفائي للجزائر، والذي أقرّ مسؤولية المستشفى بسبب الإهمال في تنظيف الجرح و الإحجام عن إجراء العملية الجراحية للمدعو بن سالم عبد الرحيم.
قرارات تتعلق بإضفاء الطابع الرسمي على بعض العقود:
ذهبت الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا في قراراتها بتاريخ 03/06/1989 ملف رقم 40097 إلى الاعتراف بالعقود المحرّرة على يد القاضي الشرعي وأضفت عليها الطابع الرسمي.

مساهمة مجلس الدولة الجزائري (ابتداء من 1998):
لقد حاول مجلس الدولة الجزائري منذ تأسيسه وصدور القانون العضوي 98/01. المؤرخ في 30 / 05/ 1998 جاهدا من أجل الاستمرار في إرساء معالم وأحكام ومبادئ القانون الإداري الجزائري. وتجلت مساهمته هذه من خلال القرارات الكثيرة التي أصدرها سواء باعتباره جهة للقضاء الابتدائي النهائي أو جهة استئناف للنقض و الاجتهاد من جهة ثالثة و نسوق فيما يلي بعض القرارات هذه الهيئة القضائية العليا:

1- رسم حدود وصلاحيات القاضي الإداري:
في قرار له بتاريخ 15/02/ 2005 فهرس 183 ملف 019704 الغرفة الثالثة قضية النقابة الجزائرية للصناعة الصيدلانية ضد وزير العمل ومن معه ذهب مجلس الدولة إلى إقرار قاعدة أنّه لا يجوز للقاضي الإداري وهو يفحص مشروعية القرار الإداري أن يراقب عمل اللجان التقنية.
وذهب مجلس الدولة الغرفة الرابعة بتاريخ 15/ 07/ 2002 رقم 5638 قضية ب وضد مديرية المصالح الفلاحية بوهران إلى أنّه لا يجوز للقاضي الإداري إصدار أوامر و تعليمات للإدارة ولا يستطيع أن يلزمها بالقيام بعمل وأنّ سلطته تقتصر فقط على إلغاء القرارات المعيبة وإلزام الإدارة أو الحكم عليها بالتعويض.

2- اجتهاد بخصوص انقطاع أجل الاستئناف:
ذهب مجلس الدولة الغرفة الرابعة في قرار له بتاريخ 12/07/ 2005 ملف رقم 016474 فهرس 700 قضية م.ح.ب ضد مديرية أملاك الدولة لولاية أم البواقي إلى إرساء اجتهاد بشأن انقطاع أجال الاستئناف في حال رفع الاستئناف أمام جهة غير مختصة شريطة رفعه ضمن الأجل القانوني، وكان هذا بمناسبة رفع استئناف ضدّ قرار قضائي صادر عن الغرفة الإدارية بأم البواقي أمام الغرفة الجهوية الإدارية بقسنطينة.

3- اختصاص القاضي الإداري:
في قرار له صدر بتاريخ 01/02/ 2005 ملف رقم 013673 فهرس رقم 100 الغرفة الرابعة قضية ع.م ضد المجلس الشعبي سحاولة ذهب مجلس الدولة إلى إقرار قاعدة أن إلغاء العقد التوثيقي من اختصاص القاضي العادي لا الإداري.

4- انعدام صفة التقاضي لدى المديرية التنفيذية على مستوى الولاية:
ذهب مجلس الدولة الغرفة الثانية في قرار بتاريخ 14/02/2000 إلى القول أنّ مديرية الأشغال العمومية على مستوى الولاية هي تنظيم إداري داخل الولاية و لا تتمتع بالشخصية الاعتبارية ومن ثمّ لا تملك صفة التقاضي. وهذا قبل أن تعترف المادة 801 من القانون 08/09 المذكور بصفة التقاضي لهذه الجهات الإدارية.

5- إقرار اختصاص القاضي الاستعجالي في مجال التعدي:
أقرّ مجلس الدولة اختصاص القاضي الاستعجالي بالفصل في دعوى التعدّي وهذا في قرار له صدر بتاريخ 11 /05 / 2004 ملف رقم 018915 قضية أ.خ ضد رئيس مجلس الشعبي البلدي لباب الزوار. .

6- التبليغ في المادة الإدارية:
ذهب مجلس الدولة الغرفة الرابعة في قرار له بتاريخ 01/04/2003 قضية والي ولاية الجزائر ضد خ.م إلى القول أنّ التبليغ في المادة الإدارية يمكن أن يتم بواسطة كتابة الضبط كما يمكن أن يتم بواسطة الطرف المعني، ومتى حدث التبليغ بأحد المصدرين بدأت الآجال في السريان فيما يخص الطعن.

7- مفهوم القرار المنعدم:
قدّم مجلس الدولة الجزائري مفهوما للقرار المنعدم كونه صادر عن جهة إدارية غير مختصة. وكان هذا بتاريخ 27/07/1998 القرار رقم 169417.

8- إعفاء الوالي من التمثيل بمحام إذا كان يتقاضى باسم الدولة:
ذهب مجلس الدولة الغرفة الرابعة في قرار له تحت رقم 184600 الصادر بتاريخ 31/05/1999 إلى قرار اجتهادي مفاده إعفاء الوالي من أن يمثل بمحام وقبول عريضته شكلا شريطة أن يمثّل الدولة لا الولاية لأنّه متى مثل الثانية (الولاية) تعيّن عليه اللّجوء لمحام معتمد لدى مجلس الدولة.

9- سلطة النظر في قرارات المجلس الدستوري:
اعترف مجلس الدولة ممثلا في غرفته الثانية وبموجب القرار رقم 002871 بتاريخ 12-11-2001 بعدم اختصاصه بالنظر في القرارات الصادرة عن المجلس الدستوري بخصوص عدم قبول ملف ترشيح لانتخابات رئيس الجمهورية مؤسسا قراره أنها أعمال دستورية تخرج من نطاق رقابته.

رابعا: الفقه.
يقصد به استنباط المبادئ القانونية بالطرق العلمية المختلفة بواسطة الفقهاء. وفي المجال الإداري المبادئ القانونية التي أرساها الفقهاء في شتى الميادين التي تمس عالم الإدارة بصفة عامة.
ورغم الدور الذي يقوم به الفقه سواء في المجال الإداري أو غيره من فروع القانون الأخرى في الكشف عن كثير من خفايا النصوص وتناقضاتها من جهة، أو إيجاد حل لكثير من الإشكالات القانونية المطروحة من جهة ثانية أو تحليل الأحكام و القرارات القضائية و التعليق عليها من جهة ثالثة. كل هذا بهدف تنوير المشرع أو القاضي، إلا أنّ رأي الفقيه يظل استئناسيا غير ملزم بالنسبة للقاضي لذلك اعتبر الفقه مصدرا تفسيريا لا رسميا.

المبحث السابع:
أسس القانون الإداري.

أهمية تحديد أساس للقانون الإداري:

لا شك أنّ وضع أساس للقانون الإداري يساهم في تحديد ولاية هذا القانون، وحصر مجال تطبيقه، ويمكن إجمال أهمية تحديد الأساس فيما يأتي:

1- من حيث الجهة القضائية صاحبة الاختصاص:
إنّ وضع أساس للقانون الإداري له فائدة عملية تتجلى في معرفة اختصاص كل من القضاء العادي و القضاء الإداري خاصة بالنسبة للدول التي تبنت ازدواجية القضاء أسلوبا كفرنسا ومصر و تونس و المغرب و الجزائر و غيرها من الدول.
ولقد ازدادت أهمية وضع أساس للقانون الإداري من الناحية العملية في الجزائر خاصة بعد صدور القانون العضوي 98- 01 و القانون 98-02 حيث تمّ بموجبهما الفصل بين جهات القضاء العادي ممثلا في المحاكم و المجالس القضائية و المحكمة العليا، وبين أجهزة القضاء الإداري ممثلا في المحاكم الإدارية ومجلس الدولة كما تم إنشاء محكمة للتنازع وصدر قانونها العضوي تحت رقم 98- 03.
وعليه، فإنّ وضع الأساس للقانون الإداري سيكون له فائدة عملية كبيرة إذ ينجر عن توظيف هذا الأساس وتطبيقه معرفة اختصاص إمّا جهة القضاء العادي أو جهة القضاء الإداري، خاصة وأنّ قواعد الاختصاص النوعي تعد من النظام العام بما لا يجوز مخالفتها.

2- من حيث القواعد القانونية الواجبة التطبيق:
لا تنطوي فائدة تحديد أساس للقانون الإداري على معرفة الجهة القضائية صاحبة الاختصاص فقط، بل يتعدّى الأمر أيضا ليمس القواعد القانونية الواجبة التطبيق خاصة إذا نظرنا إلى الاختلاف الكبير بين قواعد القانون الخاص و قواعد القانون العام.
ولقد سبق أن رأينا كيف أن محكمة التنازع في فرنسا و في قرار بلانكو المشار إليه اعترفت بمسؤولية الدولة عن الأضرار التي يتسبب فيها الأعوان العموميين، و مع ذلك أبت أن تخضعها لقواعد القانون المدني، بل أخضعتها لقواعد خاصة وجهة قضاء مستقلة. واعترفت أنّ هذه القواعد تستجيب لمقتضيات المرفق العام.
ومما لاشك فيه أنّ التطوّر الحديث لقواعد القانون الإداري خاصة في الدول التي تبنت نظام ازدواجية القضاء أدى إلى تمييز كبير لقواعد هذا القانون في شتى الميادين سواء في نظام المال أو في نظام التعاقد أو في مجال المسؤولية وأحكامها الأمر الذي صار يتعذر معه يقينا اليوم إخضاع الإدارة في أموالها وعقودها وفي نظام مسؤوليتها المدنية لقواعد القانون المدني دون سواها. و لا مانع من أن تخضع له جزئيا بما يتناسب وطبيعة هذا القانون.

اختلاف الفقه في تحديد أساس القانون الإداري:

اختلف الفقه في فرنسا بشأن تحديد أساس للقانون الإداري يمكن الاعتماد عليه لمعرفة حدود ولاية القضاء الإداري و تطبيق المبادئ و الأحكام المتميزة والّتي لا مثيل لها في مجال روابط القانون الخاص. و يمكن حصر اختلافهم في معيارين هما معيار السلطة العامة و معيار المرفق العام.
ومن المفيد التذكير أنّ معيار السلطة العامة عرف تطورا بين مرحلة وأخرى خاصة بعد أن تعرض للنقد. وذات الأمر حدث بالنسبة لمعيار المرفق العام و هو ما سنفصله فيما يلي:

أولا: معيار السلطة العامة.

يعتبر موريس هوريو (Maurice Hauriou) رائد هذه المدرسة الّتي أطلق عليها بمدرسة السلطة العامة أو مدرسة تولوز وتبعه في هذه الفكرة بعض الفقهاء يأتي على رأسهم الفقيه برتلمي.
وانطلق القائلون بهذا المعيار من مسلّمة أنّ للدولة إرادة تعلو إرادة الأفراد. ومن ثمّ فإنّ لها أن تستعمل أساليب السلطة العامة كأن تنزع ملكية فرد أو تغلق محلا أو طريقا أو تفرض تلقيحا أو أن تنظم حركة مرور أو أن تقيّد حرية فهي (أي الإدارة) إن قامت بهذا النوع من الأعمال وجب أن تخضع لمبادئ وأحكام القانون الإداري كما تخضع في منازعاتها المترتّبة عن هذه الأعمال أمام القاضي الإداري.
و قد اصطلح أصحاب المدرسة السلطة العامة على تسمية هذا النوع من الأعمال بأعمال الإدارة ذات الطابع السلطوي أو أعمال السلطة.(Acte d’autorite) ولا تخضع الإدارة لأحكام القانون الإداري فحسب، بل تخضع أيضا للقانون الخاص و تمثل منازعاتها أمام القضاء العادي. وذلك عندما تنزل إلى مرتبة الأفراد و تباشر أعمالا مدنية أو أعمال الإدارة العاديةActe de) gestion (.
ومن هنا فإنّ ولاية القانون الإداري تم رسم معالمها استنادا لمعيار السلطة العامة. فهو بهذا الوصف قانون السلطة العامة. وأن أحكامه تدور حول هذه الفكرة. وغياب معيار السلطة العامة كفيل بأن يجعل أحكام القانون الإداري غير قابلة للتطبيق مما يفسح المجال دون شك لقواعد القانون الخاص.

تقدير هذا المعيار:
لا شك أنّ مدرسة السلطة العامة أصابت في نظرتها عندما ميّزت بين نوعين من أعمال الإدارة هما أعمال السلطة و الأعمال المدنية. وأصابت أيضا حينما أخضعت أعمالها أحيانا لمبادئ وأحكام القانون الإداري وأحيانا أخرى لقواعد الخاص. ذلك أنّه لا يعقل بحال من الأحوال أن تخضع الإدارة في كل تصرفاتها وأعمالها لأحكام القانون الإداري. فهي إذا نزلت لنفس مستوى الأفراد فقدت امتيازاتها و خضعت لما يخضعون له من قواعد و أحكام.
ورغم دقة هذه النظرية في جوانب معينة، إلا أنها لم تسلم من النقد. ولعلّ أهم نقد وجه إليه من جانب الفقيه جون ريفيرو الّذي يرى أنّه لا يمكن الاستناد على فكرة السلطة العامة لتحديد ولاية واختصاص القانون الإداري، وذلك بسبب أن أعمال السلطة في حد ذاتها تبنى على جانبين أو مظهرين:
فأحيانا يظهر الجانب السلطوي في عمل الإدارة بشكل جلي ومثله أن تعتمد الإدارة إلى نزع ملكية فرد أو تنظيم حركة مرور أو غلق طريق أو فرض تلقيح أو إعلان حالة طوارئ أو حصار أو حظر للتجول. غير أنّ الجانب السلطوي قد يبدو خفيا أو بصورة سلبية فتظهر الإدارة في وضعية أقل حرية من الأفراد، فهي مثلا إذا أرادت التوظيف لجأت إلى تنظيم مسابقة لانتقاء أفضل الكفاءات. وهي إن أرادت التعاقد لجأت لإشهار وإعلام الغير، كما أنها من جهة ثالثة ليست حرة في التصرف في أموالها أو ممتلكاتها. نوضح ذلك كله في الأمثلة التطبيقية التالية:


أمثلة تطبيقية من القانون الجزائري:
1- في مجال التوظيف:
ليست الإدارة العامة في الجزائر حرة في اختيار من تراه مناسبا لتولي وظيفة عامة، بل هي ملزمة إن أرادت التوظيف بإتباع جملة من الإجراءات القانونية جاء تحديدها واضحا خاصة في المرسوم التنفيذي رقم 95- 293 المؤرخ في 30 سبتمبر 1995 المتعلق بكيفيات تنظيم المسابقات و الامتحانات و الاختبارات المهنية في المؤسسات و الإدارات العمومية.
و تطبيقا لهذا النص تلزم الإدارة المعنية قبل مباشرة إجراءات التعيين بالامتثال أولا للقرار الصادر إمّا عن السلطة المكلّفة بالوظيفة العامة أو للقرار الوزاري المشترك بين إدارة الوظيفة العامة و الوزير المعني و الذي يبين الأسلاك و الرتب المعنية بالمسابقة أو الامتحان أو الاختبار المهني وطريقة التوظيف وطبيعة امتحان القبول و عدد الامتحانات و مدتها و معاملاتها و النقاط الاقصائية و تكوين الملف و كيفية الإشهار. وبعد ذلك تبادر السلطة المكلّفة بالتعيين (رئيس البلدية، مدير الجامعة، مدير مركز التكوين المهني...) بإصدار قرار أو مقرّر الإعلان عن المسابقة ليتضمّن على سبيل الوجوب:
- السلك أو الأسلاك المعنية التي تجري من أجلها المسابقات و الامتحانات.
- طبيعة المسابقة (على أساس الشهادة أو الامتحان).
- عدد المناصب المالية المخصصة وفقا لمخطط التسيير السنوي للموارد البشرية.
- الشروط القانونية للمشاركة.
- الزيادات في النقط لفئات محدّدة طبقا للتشريع الجاري به العمل.
- تاريخ بداية التسجيل و انتهاءه.
- مكان إجراء الامتحان و عنوانه.
- شروط الطعن.
ولقد فرض المرسوم التنفيذي المذكور نشر قرارات أو مقررات إجراء المسابقات و الامتحانات و الاختبارات المهنية في شكل إعلانات في الصحافة المكتوبة خاصة فيما يخص الأسلاك التي تعادل رتبة مساعد إداري رئيسي أما الأسلاك الأخرى فيقع إشهارها عن طريق إلصاق إعلانات في وكالات التشغيل أو بأي وسيلة أخرى ملائمة.
وتتم عملية المسابقة أو الامتحان تحت رقابة وإشراف السلطة المكلّفة بالوظيفة العامة على مستوى الولاية المعنية و في مختلف قطاعات النشاط التابع لهذا السلك (الوظيفة العامة).
ومن نصوص هذا المرسوم التنفيذي و نصوص تنظيمية أخرى كثيرة نستنتج أنّ إرادة الإدارة في مجال التوظيف مقيّدة فلا تستطيع أن تدخل في عداد موظفيها شخصا ما بغير إتباع إجراءات التوظيف التي حددتها القوانين و الأنظمة فإرادتها إذن محكومة بالنص.
و على صعيد القانون الخاص نجد الفرد إذا ما كان مالكا لمنشأة أو مقاولة أو مشروع أو متجر يستطيع الاستعانة بالغير لتحقيق مصلحته، دون أن يلزم بمسابقة أو امتحان، ودون إجراءات، ودون رقابة لجهاز مفتشية الوظيفة العامة.
2- في مجال التعاقد (الصفقات العمومية):
إذا كانت إرادة الإدارة مقيّدة في مجال التوظيف تكريسا و تطبيقا لمبدأ المساواة في الالتحاق بالوظائف العامة المكفول دستوريا فإنّ إرادتها أيضا ليست حرة في اختيار المتعاقد معها. بل هي ملزمة طبقا للمادة 20 من المرسوم الرئاسي 02-250 المؤرخ في 24 جويلية 2002 المتضمن تنظيم الصفقات العمومية بإبرام صفقات الأشغال و التوريد و الخدمات و الدراسات تبعا لطريقة المناقصة بما يفرض اللجوء للإشهار عن طريق الصحافة بغرض الحصول على تعهدات و عروض من جانب المعنيين.
و لقد فصل المرسوم الرئاسي المذكور في بيانات إعلان المناقصة تكريسا لمبدأ الشفافية و المساواة بين المتعهدين. كما أخضع الصفقة لصور شتى من الرقابة الداخلية عن طريق لجنة فتح المظاريف ولجنة تقييم العروض أو خارجية عن طريق لجان لصفقات المختلفة البلدية الولائية الوزارية أو اللجنة الوطنية ورقابة المحاسب العمومي و المراقب المالي.


ييي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.sitealgerie.com/
 

محاضرات في القانون الإداري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات نجم الجزائر :: منتديات التعليم العالي :: التعليم الجامعي :: الحقوق و الشؤون القانونية-